الشنقيطي
481
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
ضربه اللّه ورسوله من الأمثال فهو حق ، خارج عما نحن بصدده من إثباتكم الأحكام بالرأي والقياس من غير دليل من كتاب ولا سنة . وذكروا شيئا كثيرا من الأمثال التي ضربها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم معترفين بأنها حق . قالوا : ولا تفيدكم في محل النزاع ، قالوا : فالأمثال التي ضربها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنما هي لتقريب المراد ، وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع . وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به ؛ فإنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه ، وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره . فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام ، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير . ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره . وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورا ووضوحا . فالأمثال شواهد المعنى المراد ، وتزكية له ؛ وهي كزرع أخرج شطأة فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه ، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته ، ولكن أين في الأمثال التي ضربها اللّه ورسوله على هذا الوجه ؟ فهمنا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة ، قياسا وتمثيلا على أقل ما يقطع فيه السارق . هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم ؛ كما قال إمام الحديث محمد بن إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح : ( باب من شبه أصلا معلوما بأصل مبين قد بين اللّه حكمهما ليفهم السامع ) . قالوا : فنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها اللّه ورسوله ، ولا نجهل ما أريد بها ، وإنما ننكر أن يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعا من قوله تعالى : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ البقرة : 196 ] وأن الآية تدل على ذلك . وأن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في صدقة الفطر : « صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من أقط أو صاع من بر أو صاع من زبيب » « 1 » يفهم منه أنه لو أعطى - صاعا من إهليلج جاز ، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار . وأن قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « الولد للفراش » « 2 » يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال الولي بحضرة الحاكم : زوجتك ابنتي وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب ، فقال : قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثا ، ثم جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر - أنه ابنه ، وقد صارت فراشا بمجرد قبوله قبلت هذا التزويج ، ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلا ونهارا لم تكن فراشا له ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه ، فإن لم يستلحقه فليس بولده ؟ . وأين يفهم من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من
--> ( 1 ) أخرجه عن أبي سعيد الخدري : البخاري في الزكاة حديث 1506 و 1508 و 1509 ، ومسلم في الزكاة حديث 17 و 18 . ( 2 ) سبق تخريجه .